عمر السهروردي
606
عوارف المعارف
ولكل روح مع نفسه تأليف خاص ، والسكون والتاليف والامتزاج واقع بين الأرواح والنفوس . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يديم العمل لتصفية نفسه ونفس الاتباع ، فما احتاج إليه نفسه من ذلك ناله ، وما فضل من ذلك وصل إلى نفوس الأمة . وهكذا المنتهى مع الأصحاب والاتباع على هذا المعنى ، فلا يتخلف عن الزيادات والنوافل ، ولا يسترسل في الشهوات واللذات إلا بدلالة تخص النفس ، ولا يعطى الاعتدال حقه من ذلك إلا بتأييد اللّه تعالى ونور الحكمة . وكل من يحتاج إلى صحة الجلوة للغير لا بد له من خلوة صحيحة بالحق ، حتى تكون جلوته في حماية خلوته . ومن يتراءى له أن أوقاته كلها خلوة ، وأنه لا يحجبه شيء ، وأن أوقاته باللّه وللّه ، ولا يرى نقصانا ، لأن اللّه ما فطنه لحقيقة المزيد فهو صحيح في حاله غير أبه تحت قصور ، لأنه ما نبه لسياسة الجبلة ، وما عرف سر تمليك الاختيار ، وما وقف من البيان على البيضاء النقية . وقد نقلت عن المشايخ كلمات فيها موضع الاشتباه ، فقد يسمعها الإنسان ويبنى عليها ، والأولى أن يفتقر إلى اللّه تعالى في أي كلمة يسمعها ، حتى يسمعه اللّه من ذلك الصواب . نقل عن بعضهم أنه سئل عن كمال المعرفة فقال : إذا اجتمعت المتفرقات ، واستوت الأحوال والأماكن ، وسقطت رؤية التمييز . ومثل هذا القول يوهم أن لا يبقى تمييز بين الخلوة والجلوة ، وبين القيام بصور الاعمال وبين تركها ، ولم يفهم منه أن القائل أراد بذلك معنى خاصا ، يعنى أن حظ المعرفة لا يتغير بحال من الأحوال ، وهذا صحيح ، لأن حظ المعرفة لا يتغير ولا يفتقر إلى التمييز ، وتستوى الأحوال فيه ، ولكن حظ